الأرشيف

أنت تتصفح أرشيف أمل للوقت نوفمبر, 2008.

نوفمبر

30

بسالة امرأة

By أم ريشـة

لم تكن سوى امرأة من جنسنا ، نحمل وإياها الصفات ذاتها ، لكنها تفوقت على سائر بنات حواء بشجاعتها ، تلك الكلمة التي حذفت من قاموس نساء اليوم !!!

فلو رأت إحدانا حشرة تمشي على الأرض ، أو طائراً يطير في السماء ، أو سمعت صوتاً أو حركة لقفزت من شدة الفزع والله المستعان ، ولو رأت قطة لصاحت وأعرضت عن المنام فضلاً عن سائر الحيوانات ؟!!

فكيف بمن جزت رأس يهودي وقذفت به بعيداً ، ألا تستحق منا الوقوف على جانب من حياتها ؟!!

إنها صحابية جليلة أبوها جدُّ النبي صلى الله عليه وسلم (عبدالمطلب بن هاشم) وأمها (هالة بنت وهب) أخت آمنة بنت وهب والدة الرسول صلى الله عليه وسلم . وزوجها الأول (الحارث بن حرب) أخو أبي سفيان بن حرب زعيم بني أمية ، وقد توفى عنها .

وزوجها الثاني العوام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد سيدة نساء العرب في الجاهلية ، وأولى أمهات المسلمين في الإسلام ، وابنها الزبير بن العوام حوارى رسول الله . سطر لها التاريخ بمداد من ذهب موقفها يوم الخندق .

فمن تكون تلك الصحابية التي يحسب لها الرجال ألف حساب ؟!!

من هي تلك المرأة التي انشأت للمسلمين أول فارس سل سيفاً في سبيل الله ؟!!

من تلك الصحابية التي كانت أول امرأة قتلت مشركاً في الإسلام ؟!!

إنها صفية بنت عبدالمطلب الهاشمية القرشية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عزم على غزوة من الغزوات أن يضع النساء والذراري في الحصون خشية أن يغدر بالمدينة غادر في غيبة حماتها ، فلما كان يوم الخندق جعل نساءه وعمته وطائفة من نساء المسلمين في حصن لحسان بن ثابت ، وكان من أمنع الحصون في المدينة وأبعدها منالاً .

وبينما كان المسلمون يرابطون على حواف الخندق في مواجهة قريش وأحلامها وقد شغلوا عن النساء والذراري بمنازلة العدو ، أبصرت صفية بنت عبدالمطلب شبحاً يتحرك في عتمة الفجر ، فأرهفت له السمع ، وأحدت إليه البصر ، فإذا هو يهودي أقبل على الحصن ، وجعل يطيف به متحسساً أخباره متجسساً على من فيه .

فأدركت أنه عين لبني قومه جاء ليعلم أفي الحصن رجال يدافعون عمن فيه أم أنه لا يضم بين جدرانه غير النساء والأطفال !!!

فقالت في نفسها : إن يهود بني قريظة قد نفضوا ما بينهم وبين رسول الله من عهد وظاهروا قريشاً وأحلافها على المسلمين وليس بيننا وبينهم أحد من المسلمين يدافع عنا .

فإن استطاع عدو الله أن ينقل إلى قومه حقيقة أمرنا سبى اليهود النساء  واسترقوا الذراري وكانت الطامة على المسلمين .

عند ذلك بادرت إلى خمارها فلفته على رأسها ، وعمدت إلى ثيابها فشدتها على وسطها ، وأخذت عموداً على عاتقها ونزلت إلى باب الحصن فشقته في أناه وحلم وجعلت ترقب من خلالها عدو الله في يقظة وحذر ، حتى إذا أيقنت أنه غدا في موقف يمكنها منه حملت عليه حملة حازمة صارمة ، وضربته بالعمود على رأسه فطرحته أرضاً ، ثم عززت الضربة الأولى بثانية وثالثة حتى أجهزت عليه وأخمدت أنفاسه بين جنبيه .

ثم بادرت إليه فاحتزت رأسه بسكين كانت معها ، وقذفت بالرأس من أعلى الحصن فطفق يتدحرج على سفوحه حتى استقر بين أيدي اليهود الذين كانوا يتربصون في أسفله ، فلما رأى اليهود رأس صاحبهم قال بعضهم لبعض : لقد علمنا أن محمدا لم يكن ليترك النساء والأطفال من غير حماة ثم عادوا أدراجهم .

فرضي الله عن صفية التي كان شعارها الذب عن الدين ومحاربة أعداء الدين ، فلم يمنعها تخطيها الستين عاماً أن تدافع عن ثغرة من ثغور الإسلام في حصن حصين.

لقد كان همها الأول إعلاء كلمة التوحيد ودحر الشرك والمشركين مع تمسكها بحجابها الذي هو مصدر عزتها ، فلم تتجه لقتل عدو الله وهي متكشفة بل بادرت إلى خمارها فلفته على رأسها ، وعمدت إلى ثيابها فشدتها على وسطها .

حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف حين بلغت القلوب الحناجر لم تترك الصحابيات رضوان الله عليهن التمسك بالحجاب لأنهن على يقين أنها عبادة ليست محصورة بمكان ولا زمان .

همسة أخيرة :

إن مواطن الشجاعة ليست مقصورة على خوض ميادين الوعى والحروب ، بل تتعداه إلى النفس الإنسانية عندما تتغلب على هواها والشيطان ، وكذلك الجهر بكلمة الحق التي يدحر بها الباطل .

المرجع :

كتاب صورة من حياة الصحابة ، للدكتور : عبدالرحمن الباشا ( نُقل بتصرف )

نوفمبر

30

لا تتردد واستخر خالقك وعليه فتوكل

By أم ريشـة

سبحان من خلق الإنسان ذلك المخلوق الذي يعتريه النقص والضعف والنسيان فرغم ما أوتي من عقل وهيبة وسلطان لا يزال فقيراً إلى مولاه في كل شيء .

فتراه يتردد في اتخاذ قرارات بسيطة ويحتار في خوض أعمال يسيرة يفكر ويفكر يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى .

تجده مثلاً يريد السفر وما يلبث أن يحجم عنه مخافة الهلاك ، وتراه يريد شغل وظيفة ما فتأخذه أفكاره بعيداً عنها ، كما أن ابنته يتقدم لخطبتها الأكفاء فلا يزوج ؟!!

فلماذا لا تطرد عنك هذا .. القلق والخوف والتردد وتستخير الله عز وجل بصلاة ركعتين لله تعالى وسؤالك إياه لاستخارة .

ماهي الاستخارة :

الاستخارة : هي استفعال من الخير أو الخيرة ، واستخار الله : طلب منه الخيره والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما .

حكمها : سنة

وقتها :

لم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً للاستخارة ، فذهب جمع إلى جوازها في جميع الأوقات والأكثرون على أنها في غير أوقات النهي .

لكن صلاة الاستخارة من ذوات الأسباب كتحية المسجد فتصلي حتى في أوقات النهي ، ولو اختار المستخير وقتاً غير وقت النهي إن كان معه سعة فهو خير وأولى .

صفتها :

أن يصلي ركعتين مثل بقية صلاة النافلة ، يقرأ كل ركعة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن ، ثم يرفع يديه بعد السلام ويدعو الدعاء الوارد في ذلك وهو : (اللهم إني استخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه بعينه من زواج أوسفر أو غيرهما) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاقدره علي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به) .

وقد رجح الشيخ عبدالعزيز بن باز ، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهما الله- أن تكون الاستخارة بعد السلام .

الأمور التي تشرع فيها الاستخارة :

جميع الأمور جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها ، فرب أمر حقير ترتب عليه أمر عظيم إلا أنه يستثنى من ذلك أمران :

1- الواجبات والمحرمات                  2- الأمور الاعتيادية كالأكل والشرب

الحكمة في الاستخارة :قال ابن القيم -رحمه الله- : (عوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الدعاء ، عما كان عليه أهل الجاهلية من زجر للطير والاستقسام بالأزلام يطلبون بها علم ما قسم لهم من الغيب) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله- (وما ندم من استخار الخالق ، وشاور المخلوقين ، وتثبت في أمره ، فقد قال تعالى :{وشاوره في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} آل عمران : 159 .

وقال قتادة : (ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا لأرشد أمرهم) .

اعتقاد خاطئ :

يعتقد بعض الناس أن صلاة الاستخارة تكون بالليل قبل النوم والمستخير يرى في منامه رؤيا تبين له فيها وجه الصواب ، وهذا غير صحيح لأنه ليس لها وقت محدد ، وليس شرطاً أن يرى المستخير رؤيا بعد الاستخارة بل يستخير متى شاء ثم يتوكل على الله فيمضي لفعل ماهم فإن فيه الخير بإذن الله .

هل يشترط التردد ؟!

يظن كثير من الناس أن الاستخارة مشروعة في الأمور التي يحصل فيها التردد والشك ، وهذا غير صحيح بل في كل الأمور تردد أو لم يتردد .


متى تقتصر على الدعاء دون الصلاة ؟!

قد يكون المسلم في حال لا تمكنه من أداء الصلاة كالحائض والنفساء ، ومن ضاق عليه الوقت عن أداء الركعتين ، فإن أمكن تأخيرها إلى وقت يزول منه المانع وإلا فإنه يقتصر على الدعاء .

ماذا يفعل بعد الاستخارة ؟!

قال الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله- : ( ثم بعد ذلك إذا انشرح صدره بأحد الأمرين بالإقدام أو الإحجام فهذا المطلوب ، يأخذ بما ينشرح به صدره ، فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقي متردداً أعاد الاستخارة مرة ثانية وثالثة .

وإنما قلنا : أنه يستخير ثلاث مرات ، لأن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا دعا ثلاثاً والاستخارة دعاء ، وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة ، بل قد يتبين من أول مرة ، أو في الثانية ، أو في الثالثة ، ثم بعد ذلك إذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح ثم ما أشير عليه به فهو الخير إن شاء الله ، لأن الله قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلاً إلى شيء معين حتى يستشير فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة  ).

وقال  -رحمه الله- :  ( ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره أن يكون ذا رأي وخبرة من الأمور ، وتأن وتجربة وعدم تسرع ، وأن يكون صالحاً في دينه ، لأن من ليس بصالح في دينه ، ليس بأمين ، حتى وإن كان ذكياً وعاقلاً ومحنكاً في الأمور ، إذا لم يكن صالحاً في دينه فلا خير فيه ، وليس أهلاً لأن يكون من أهل المشورة ، لأنه إذا كان غير صالح في دينه ، فإنه ربما يخون والعياذ بالله ويشير بما فيه الضرر أو يشير بما لا خير فيه ،فيحصل بذلك من الشر والفساد مالله به عليم ) .

من استخار فقضي له بغير ما أراد :

ذكر بعضهم أن من استخار في شيء فقضي له فيه قضاء ولم يرض فإنه عندهم من الكبائر التي يجب منها التوبة والإقلاع لأنه من سوء الأدب وقالوا ليس يخفى لأنه لما رجع هذا العبد المسكين إلى هذا المولى الجليل ورغب منه أن ينظر له بنظرة فكيف لا يرضى ؟!

إذن فالاستخارة (التوكل قبل الفعل والرضا بعده ، فمن توكل على الله قبله ، ورضي بالمقضي له بعده فقد قام بالعبودية) .


أخي المسلم أختي المسلمة :

- قبل أن تتقدم إلى وظيفة أو تنقلي إلى أخرى .

- قبل أ ن تدخل  مستشفى ، أو تجري عملية ، أو تخلع سنا .

- قبل أن تخرجي  أختي من بيتك لغير حاجة أو تذهبي إلى سوق أو وليمة أو عرس أو تشتري فستاناً أو

مصاغاً أو تقدمي على زواج (فعليك بالاستخارة) .

نوفمبر

29

رسالة عزاء لأهل البلاء

By أم ريشـة

هل رأيت شجرة تحتُ ورقها ؟! أظن أنه يمكن أن ترى تلك الظاهرة واضحة في فصل الخريف .

أرأيت لو كانت هذه الشجرة هي أنت ، وذلك الورق المتساقط هو الذنوب .

كأني ألمح بين عينيك تعجباً من ذلك ، لا تعجب فرسولك محمد صلى الله عليه وسلم يبشرك بقوله : (ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تحاتُ ورق الشجر) رواه البخاري .

فسبحان الله من ابتلانا بالمصائب ليكفر عنا ذنوبنا ، وليحط من خطايانا التي لا يحصيها إلا هو سبحانه .

أيها المبتلى : تأمل معي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) رواه البخاري .

واسأل نفسك : هل مرّ عليك يوم لم تصب بأذى ، أو مرت عليك ليال لم تحزن فيها أو لم تضق ذرعاً بهموم وغموم لازمتك مدة من الزمن ، وأفقدتك الراحة وسلبت من عينيك لذة النوم ؟!!

إنك لو تلفت يمنة ويسرة ، وشاهدت واقع الناس اليوم لتجد أن كل منهم يشكو مصابه وتبدل حاله .

إن هذا كله ليدلك على حقارة الدنيا التي جُبلت على الكدر ، ولم تصفو لسيد البشر صلى الله عليه وسلم لتصفو لك يوماً ما .

وليؤكد لك أنها دار ابتلاء وامتحان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، يبتلى فيها الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه ، فيما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة .

يالها من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان كما شبهها ابن القيم – رحمه الله- بالجسر الذي لا سبيل إلى عبور الجنة إلا عليه .

قال الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله- : (والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقى مسروراً دائماً ، بل هو يوم يسر ويوم يحزن ، ويوم يأتيه شيء ويوم لا يأتيه ، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله ولا تحصى المصائب التي تصيب الإنسان ولكن المؤمن أمره كله خير ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك وهذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة لا تظن أنه يذهب سدى بل ستقوض عنه خيراً منه ، ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها وهذا من نعمة الله ، وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر الاحتساب أي : احتساب الأجر كان له مع هذا أجر .

فالمصائب تكون على وجهين :

1- تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله فيكون فيها فائدتان : تكفير الذنوب ، وزيادة الحسنات .

2- وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره ، ويغفل عن نية الاحتساب والأجر على الله فيكون في ذلك تكفير لسيئاته إذاً هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه) .

إن العاقل الحصيف يجب عليه حتماً أن يوقن ، إن الأشياء كلها قد فرغ منها ، وأن الله قدر صغيرها وكبيرها ، وعلم ما كان وما سيكون وأن لو كان كيف يكون قال صلى الله عليه وسلم : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) رواه مسلم

أيها المبتلى : إنك عندما تذعن لمولاك ، وتسلم أمرك إليه وتصبر وترضى بقضاءه الذي لا يقضيه الله سبحانه على الإنسان إلا كان خير له إلا انقلبت المحنة منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوباً .

قيل للحسن يا أبا سعيد : من أين أُتى هذا الخلق ؟ قال : من قلة الرضا عن الله قيل ومن أين أتى قلة الرضا عن الله ؟ قال : من قلة المعرفة بالله .

يامن اسودت الدنيا وأظلمت في عينيه ، يامن طال ليله وتتابعت عليه المحن وامتلئت سماؤه بالغيوم ، أبشر بفجر صادق ، وفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء ولمح البصر ، فلا يعتريك اليأس من رحمة الله ، ولا تحاصر نفسك الظنون فربك رحيم وسعت رحمته كل شيء .

قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه ، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا .

فاطرق بابه وألح عليه بالدعاء . قال أحدهم : سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء وذكر في الأثر : إن الله ابتلى عبداً من عباده وقال لملائكته : لاسمع صوته يعني : بالدعاء والإلحاح .

هذه رسالة قصيرة كتبتها لأعظ بها نفسي وأنفع بها غيري ، قلت ما قلت فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطئاً فمن نفسي والشيطان .



نوفمبر

29

ربيعة الرأي

By أم ريشـة

ثلاثين عاماً كانت كفيلة أن تنسي تلك الزوجة الرَّزان ملامح (فروخ) زوجها الذي ودعها لينضم إلى جيوش المسلمين مجاهداً في سبيل الله ، فقد كان شاباً مقداماً تعرفه ساحات الوغىَ . أبلى مع سيده الصحابي الجليل (الربيع بن زياد الحارثي) بلاءً حسناً ، وخاض معه فتوحات عديدة .

وبعد وفاة سيده عاد إلى المدينة ، وعزم أن يتخذ له بيتاً يستقر فيه ، وزوجة يسكن إليها ، وتحقق لها ما أراد .

وما لبث غير قليل حتى عاوده الحنين ، وتاقت نفسه إلى استئناف الجهاد في سبيل الله . وأعلن عزمه هذا لزوجته التي قالت له : يا أبا عبدالرحمن ، لمن تتركني وتترك هذا الجنين الذي أحمله بين جوانحي ؟!! فأنت رجل غريب عن المدينة ، لا أهل لك ولا عشيرة . قال : اتركك لله ، ثم أنني خلفت لك ثلاثين ألف دينار جمعتها من غنائم الحرب فصوبيها وثمريها ، وأنفقي منها على نفسك ووليدك بالمعروف حتى أعود إليك سالماً غانماً أو يرزقني الله الشهادة التي أتمناها ثم ودَّعها .

وبعد رحيل زوجها ببضعة أشهر وضعت حملها ، ففرحت به فرحاً عظيماً كاد ينسيها فراق أبيه وأطلقت عليه اسم (ربيعة) وبدت على الغلام علامات النجابة منذ نعومة أظفاره وظهرت إمارات الذكاء في أفعاله وأقواله .

فاسلمته أمه إلى المعلمين ، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه واستدعت له المؤدبين وحضتهم أن يحكموا تأديبه ، فما لبثت كثيراً حتى أتقن الكتابة والقراءة ، ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، ووعى ما يتسر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد أغدقت (أم ربيعة) على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز ، وكانت تترقب عودة أبيه الغائب ، وتجتهد أن تجعله قرة عين لها وله ، لكن (فروخ) طالت غيبته وتضاربت الأقوال فيه : فقال بعضهم أنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء ، وقال آخرون : إنه ما يزال طليقاً يواصل الجهاد .

وقال فريق ثالث : إنه نال الشهادة التي تمناها ، فترجح عند (أم ربيعة) القول الأخير لانقطاع أخباره ، فحزنت عليه ثم احتسبته عند الله .

وعندما بلغ (ربيعة) مرحلة الشباب ، أشار بعضهم إلى أمه أن يتجه إلى تعلم حرفة يتقنها فينفق بها عليها وعلى نفسه فقالت : ” أسأل الله أن يخير لي ما فيه صلاح معاشه ومعاده ” .

فاختار ربيعة لنفسه العلم ، وعزم أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدت به الحياة فأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد المدينة ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي ذات عشية من عشيات الصيف المقمرة ، بلغ المدينة المنورة فارس في أواخر العقد السادس من عمره ، ومضى في أزقتها راكباً جواده قاصداً داره .

وبينما كان سابحاً في أفكاره ، متسائلاً عن حال زوجه وعياله منشغلاً بذلك وجد نفسه فجأة أمام داره فدخله بلا استئذان .

إذ أمسك به رجل كان يسكن الدار وقال له : أتستتر بجنح الليل يا عدو الله ، وتقتحم منزلي ، وتهجم على حريمي ، إثر هذه الضجة تجمع الجيران حول الدار .

وقال صاحب الدار : والله لا أطلقك إلا عند الوالي .

فقال له الرجل : ما أنا بعدو إنما هو بيتي ، وملك يميني ، وجدت بابه مفتوحاً فدخلته .

وقال : يا قوم اسمعوا مني ، هذا البيت بيتي ، واشتريته بمالي .

يا قوم : أنا فروخ .

وكانت والدة صاحب الدار نائمة ، فاستيقظت على الضجيج ، وأطلت من نافذة عُليتها فرأت زوجها ، فكادت الدهشة تعقد لسانها فقالت : دعوه ، دعه يا ربيعة إنه أبوك .

فما لامست كلماتها الآذان حتى أقبل (فروخ) على ربيعة يضمه ويعانقه .

ونزلت (أم ربيعة) تسلم على زوجها التي ما كانت تظن أنها ستلقاه .

جلس فروخ إلى زوجه وطفق يحدثها عن أحواله ، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره .

وبينما كان يحدثها ، كانت في حيرة من أمرها ، فماذا عساها أن تقول له عن المال الذي استودعها إياه .

وبينما هي كذلك التفت إليها زوجها قائلاً : لقد جئت بأربعة آلاف دينار ، فأخرجي المال الذي عندك لنضمها إليه فنشتري بالمال كله بستاناً أو عقاراً نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة .

فتشاغلت عنه ولم تجبه بشيء ، فأعاد عليها الطلب ، وقال : أين المال ؟

فقالت : وضعته حيث يجب أن يوضع ، وسأخرجه لك بعد أيام قليلة إن شاء الله .

وقطع صوت المؤذن عليهما الحديث ، فهب (فروخ) إلى إبريقه فتوضأ ثم مضى مسرعاً نحو الباب ، وهو يقول : أين ربيعة ؟ فقالوا : سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول .

بلغ (فروخ) المسجد ، فوجد الإمام فرغ وشيكاً من الصلاة ، فأدى المكتوبة ولما هم بمغادرة المسجد ، وجد باحة قد غصت على رحابها بمجلس من مجالس العلم لم يشهد له مثيلاً .

ورأى الناس قد تحلقوا حول شيخ المجلس حلقة إثر حلقة ، وأجال بصره في الناس فإذا فيهم معلمون ورجال متوقرون وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم ، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ويحفظونه في دفاترهم .

وكان الناس متجهين بأبصارهم نحو الشيخ منصتين إلى ما يقوله وكأن على رؤوسهم الطير .

وحاول (فروخ) أن يتبين صورة الشيخ فلم يفلح وهنا التفت (فروخ) إلى رجل يجلس بجانبه وقال : قل لي بربك من الشيخ ؟!

فقال الرجل باستغراب : أولست من أهل المدينة ؟!

فقال : بلى ، فقال الرجل : وهل في المدينة رجل واحد لا يعرف الشيخ ؟!!

قال فروخ : اعذرني إذا كنت لا أعرفه ، فقد أمضيت ثلاثين عاماً بعيداً عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمس .

فقال الرجل : لا بأس ، أجلس إلي قليلاً أحدثك عن الشيخ إنه من سادات التابعين وعلم من أعلام المسلمين .

فقال فروخ : لكنك لم تذكر لي اسمه .

فقال الرجل : إنه ربيعة الرأي

علماء المدينة وشيوخها دعوه (ربيعة الرأي) لأنهم كانوا إذا لم يجدوا نصاً في كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  لجؤوا إليه ، فيجهد في الأمر .

عند ذلك تحدرت من عيني فروخ دمعتان لم يعرف لهما الرجل سببا ومضى يحث الخطى إلى بيته .

فلما رأته أم ربيعة سألته : مابك يا أبا ربيعة ؟!

فقال : لقد رأيت ابننا ربيعة في مقام من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحد من قبل .

فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت : أيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم هذا الذي بلغه ولدك في العلم والشرف ؟!

فقال : بل والله هذا أحب إلي وآثر عندي من مال الدنيا كله .

فقالت : لقد أنفقت ما تركته عندي عليه ، فهل طابت نفسك بما فعلت ؟!

فقال : نعم ، وجزيت عني وعن المسلمين خير الجزاء .

إن المتأمل لهذه القصة ليجد فيها العجب ، فهذه أم ربيعة تلك المرأة الصالحة التي حفظت زوجها في غيابه ، وربت ولدها على الطاعة حتى أصبح إماماً يحتذى به .

فلم يأخذها الطمع والركض خلف زخارف الدنيا ، للتصرف في المال الذي استودعها إياه أبا ربيعة ، فلم تفكر قط في أن تصرفه على نفسها فضلاً عن أن تتمتع فيه .

لقد صرفته على تعليم ولدها وتنشئته ولسان حالها (أو ولد صالح يدعو له) .

حتى عندما أشار عليها البعض في أمر ولدها أن يمتهن حرفة ينفق بها عليها فماذا كان ردها ؟!! دعاء من أم صالحة مقرون بتفويض الأمر لله (أسأل الله أن يخير له مافيه صلاح معاشه ومعاده) .

لقد بذرت في موسم البذر فحصدت ابناً صالحاً باراً بأبويه في موسم الحصاد فأين نساء هذا العصر من تلك الصورة المشرقة لأم ربيعة التي غاب عنها زوجها ثلاثين عاماً ، فصبرت واحتسبت فعوضها الله خيراً في ابنها ولم شملهم بعودة زوجها .

وصورة أخرى أتأملها معكم ، عندما سأل فروخ عن ابنه ربيعة .

فقالوا له : سبقك إلى المسجد .

فما أجمل أن يتربى أبناؤنا على الصلاة منذ الصغر ، وأن يغرس فيهم حب المسجد الذي هو نواة كل خير .

فلله درك يا أم ربيعة .

قال صلى الله عليه وسلم :

(الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة)

المرجع :

صور من حياة التابعين للدكتور عبدالرحمن الباشا ” نقل بتصرف” .

نوفمبر

29

صلاة الأوابين

By أم ريشـة

إن نعم الله على بني الإنسان كثيرة لا نكاد نحصيها { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } إبراهيم : 34 .

وهذه النعم مما يسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويطالب به ولا يستطيع الإنسان أن يعوض فقده لإحدى حواسه أو أي جزء من كيانه بمال الدنيا .

اشتكي رجل إلى يونس بن عبيد ضيق حاله ، فقال له يونس : أيسُّرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مئة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا ، قال : فبيدك مئة ألف درهم ؟ قال : لا ، قال : فبرجليك ؟ قال : لا ، فذكره نعم الله عليه ، فقال يونس : أرى عندك مئين ألوف وأنت تشكو الحاجة .

ومن جملة هذه النعم : تركيب العظام وسلامتها

قال ابن القيم : (ولما كان الإنسان محتاجاً إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته ، لم يجعل عظامه عظماً واحداً ، بل عظاماً متعددة ، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة ، وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه) . فسبحان الله الخالق .

وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن ثلاثمائة وستون عظماً ما بين صغير وكبير

وإن من شكر الله على هذه النعمة أن يتصدق الإنسان عن كل عضو من أعضائه .

فكل يوم يصبح فيه على الناس (360) صدقة !!

أليس هذا أمر شاق أن نتصدق كل يوم بعدد مفاصل العظام الموزعة في جسدك ؟!

وعلى افتراض أن وجدت ما تتصدق به اليوم ، فلن تجد غداً ما تنفقه ماذا تفعل إذن ؟!!

سأدلك على حديث لنبي الرحمة وما يسره الله لهذه الأمة ، في زمن جحد فيها حق النعمة ، وطرا على بني آدم الغفلة .

عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يصبح على كل سُلامي من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما في الضحى ) رواه مسلم .

والسُلامي : هي العظام أو مفاصل العظام

قال الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- : ( يعني أنك إذا صليت في الضحى ركعتين ، أجزأت عن كل الصدقات التي عليك ، وهذا من تيسير الله عز وجل على العباد) .

وصلاة الضحى من باب إضافة الشيء إلى وقته ، ولك أن تقول : إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه ، كما تقول صلاة الظهر نسبة إلى الوقت ، والوقت سبب .

قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله : (وفي هذا الحديث دليل على أن ركعتي الضحى سنة كل يوم ، لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضو من أعضاءك ، وكانت الركعتان تجزئ ، فهذا يقتضي أن صلاة الضحى سنة كل يوم ، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك) .

قال الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – :

(قال أهل العلم وسنة الضحى يبتدئ وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح ، يعني حوالي ربع إلى ثلث ساعة بعد الطلوع إلى قبيل الزوال ، أي قبل الزوال بعشر دقائق ، كل هذا وقت لصلاة الضحى ، في أي وقت فيه تصلي ركعتي الضحى ، فإنه يجزئ ، لكن الأفضل أن تكون في آخر الوقت ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (صلاة الأوابين حين ترمضُ الفصال) أخرجه مسلم .

والفصال : جمع فصيل وهو ولد الناقة .

يعني : حين تقوم الفصال من الرمضاء لشدة حرارتها ، ولهذا قال العلماء إن تأخير ركعتي الضحى إلى آخر الوقت أفضل من تقديمها ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن تؤخر صلاة الضحى إلى آخر الوقت إلا مع المشقة .

أقل صلاة الضحى ركعتان لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : (أوصاني خليلي بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام) رواه البخاري .

أكثرها : لاحد لأكثرها كما قاله الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- لأن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله) أخرجه مسلم

جعلني الله وإياكم من المتبعين لسنة رسول الله العاملين بها .

نوفمبر

25

عندما نرحلُ بصمت

By أم ريشـة

عندما نرحل بصمت

لا يبقى خلفنا من خُطواتنا

سوى أثرنا الطيب


نوفمبر

25

مُنَاجَاة

By أم ريشـة

رباه  ما أطولَ الليل وأقسَاه

أنفَاسٌ تغشَاه

وعُيُونٌ  تخْشَاه

نَسَمَاتٌ تسرِي في دُجَاه

وقلوبٌ تتقلبُ فس سَوَادِه بِخَفَاء

وَجُنُودٌ يُفتَنُونَ  فَيَصبِرُونَ على البلاء

ومَظلُومٌ يُنادِي  يا مُجِيب المُضطَرِ إذا دعاه

ومُسيء النهار يرجُو عفو ربه التواب

وما يزالُ الليل مليئاً بالأسرار

نوفمبر

24

بلا قلب

By أم ريشـة

هل جربت أن تعيش بلا قلب

تبحث عنه بين الزوايا فلا تجده

حينئذٍ سيتبلدُ الإحساس

وتموت الرحمة في مهدها

نوفمبر

23

هل البكاء سيُعيدُه ؟

By أم ريشـة

هل البُكاء سيُعيدُ من واراه الثرى ؟

لو كان البكاء سيُعيدُ  ميتاً  لَمَا كففنا دموعنا

لكنه التسليم للقضاء

نوفمبر

22

الطُيور المُهاجرة

By أم ريشـة

أيتها الطيور المهاجرة

خُذي الحُلُمَ الوليد بين أجنحتك

وضُمي لهفتي للقاء أحبابي

وانثُُرِيها  ذكرى  في وقت العبور